Sunday, April 17, 2011

معارضة المعلّقات العشر (٧) مُعَلّقة الحارث بن حِلِّزة

بقلم: رياض الحبيّب
22.01.2011

أقتطِفُ- بتصرّف- من سيرة الحارث بن حِلِّزة التي في ديوان جمعه وحققه وشرحه الباحث والمُحَقّق د. إميل بديع يعقوب- وهو أستاذ في علوم اللغة العربية، لبناني من مواليد 1950 في قضاء الكُورة- في كتاب عنوانه “شعراؤنا- ديوان الحارث بن حِلِّزة” والناشر: دار الكتاب العربي، لكني عثرتُ على الديوان عبر الإنترنت

{هو الحارث بن حِلِّزة ... بن يَشكُر بن بكر بن وائل... بن ربيعة بن نزار بن عدنان بن أدد، من أهل العراق. كان مُصاباً بالبرص وفي عمر شيخ مجرّب يوم ناظرَ بمعلّقته الشاعر عمرو بن كلثوم التغلبيّ، في مجلس الملك عمرو بن هند في الحِيرة (عاصمة المناذرة) مدافعاً عن قومه البَكريّين (نسبة إلى بكر بن وائل) حتى نال إعجاب الملك وأمّه وقد فضّلا معلّقته على معلّقة خصمه عمرو بن كلثوم، ما دعا الملك في حكم المصالحة بين القبيلتين إلى ترجيح الحُكم لمصلحة قومه على حساب التغلبيّين- نسبة إلى تغلب بن وائل. مات الحارث سنة 580 م عن عمر مائة وخمسين عاماً وديانته نصرانية، بحسب بحْث الأب لويس شيخو في كتابه الموثّق بالأدلّة «النصرانيّة وآدابها بين عرب الجاهليّة»  ص 423 ذاهباً إلى أنّ نصرانيّة قبيلته (بكر) ثابتة

أمّا عن صفاته وأخلاقه فقد عُرف بالفخر، حتى ضُرب بفخره المثل (أفخر من الحارث بن حِلِّزة) وأمّا معلّقته فتُعَدّ من أجود القصائد العربيّة وأشهرها، حظيت باهتمام أعلام الأدب والباحثين قدامى ومُحْدَثين ومستشرقين ولا تزال. ويُقال أنّ الشاعر قالها ارتجالاً (أي بدون تهْيئة) وهذا ما صعُب تصديقه لِمَا للقصيدة من أهميّة تاريخية (لإفادتها عن معارك جاهليّة عدة) وأخرى أدبية (دقّة الوصف، حُسْن السّبك والإشارة، تنوّع طرق التعبير، جودة المنطق والتقسيم، بلاغة الإيجاز) مع اعتبار الشاعر خطيباً مُجيداً ومُحامياً بارعاً ودبلوماسيّاً متمكّناً، من عوامل جعلته جديراً بكسب موقف المَلِك إلى جانبه وتالياً جانب قومه} انتهى

هذا مع الشكر للأب لويس شيخو اليسوعي (1859-1927) الذي عرّفنا على القبائل النصرانيّة وشعرائها مثل تغلب (ومنها عمرو بن كلثوم) وبكر (ومنها طرفة بن العبد والأعشى قيس والحارث بن حِلِّزة) وكندة (ومنها اٌمرؤ القيس) وأعطى دلالات على نصرانيّة قبائل أخرى مثل عبس (ومنها عنترة بن شدّاد) وذبيان (ومنها النابغة الذبياني) وغيرها. وقد اخترت من معلّقة الحارث الأبيات التالية

آذنَتْـنا ببَيْنهَا أسْمَاءُ-- رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ
آَذنتنا ببَينها ثُمَّ وَلَّتْ-- ليتَ شِعري متى يَكونُ اللقاءُ
بَعْدَ عَهْدٍ لنا ببُرْقةِ شَمَّاءَ فأدْنى دِيَارِهَا الخـَلْصَاءُ
لا أَرَى مَنْ عَهِدْتُ فِيهَا فأبْكِي اليَوْمَ دَلْهَاً وَمَا يَرُدُّ البُكاءُ
وبعَيْنَيْكَ أوْقدَتْ هِنْدٌ النَّارَ أَخِيرَاً تُلوِي بهَا العَليَاءُ
فتنوَّرْتُ نارَهَا مِن بَعِيدٍ-- بخـَزازى هَيْهَاتَ مِنكَ الصِّلاءُ
وأتانا من الحوادث والأنباء خـَطْبٌ نُعنى بهِ ونُساءُ
إنَّ إخواننا الأرَاقِمَ يَغْلُون علينا فِي قِيلِهِمْ إحفاءُ
يَخْلِطُون البَرِيءَ مِنَّا بذِي الذَّنبِ ولا يَنْفعُ الخـَلِيَّ الخلاءُ
أجْمَعُوا أمْرَهُم عِشاءً فلمَّا -- أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لهُمْ ضَوْضَاءُ
أيُّهَا النَّاطِقُ الْمُرَقِّشُ عَنَّا-- عِنْدَ عَمْرٍو وَهَلْ لِذاكَ بَقاءُ
لا تخـَلنا عَلَى غَرَاتِكَ إنَّا-- قبْلُ مَا قدْ وَشى بنا الأعْداءُ
إِرَميٌّ بمثلِهِ جالتِ الجنُّ فآبَت لِخصمِها الأجْلاءُ
مَلِكٌ مُقسِطٌ وأكمَلُ مَن يَمشي ومِن دون ما لدَيهِ الثَّناءُ
اَيَّمَا خُطَّةٍ أرَدتمْ فأدُّوهَا إلينا تُشفى بهَا الأمْلاءُ
إنْ نبَشْتُمْ مَا بَيْن مِلْحَة فالصَّاقِبِ فِيهِ الأموَاتُ والأحياءُ
أوْ سَكَتُّمْ عَنَّا فكُنَّا كمَن أغمَضَ عَيْناً فِي جَفنِهَا أقذاءُ
هَلْ عَلِمْتُمُ أَيَّامَ يُنْتَهَبُ النَّاسُ غِوَارَاً لِكُلِّ حَيِّ عُوَاءُ
إذ رَفعْنا الجـِمَالَ مِنْ سَعَفِ البَحْرَيْنِ سَيْرَاً حَتَّى نَهَاهَا الحِسَاءُ
ثُمَّ مِلنا عَلى تمِيمٍ فأحْرَمْنا وفِينا بَناتُ قومٍ إمَاءُ
لا يُقِيمُ العَزِيزُ في البَلدِ السَّهْلِ وَلا يَنْفعُ الذَّلِيلَ النَّجَاءُ
* فمَلكْنا بذلِكَ الناسَ حَتّى-- مَلَكَ المُنذِرُ بنُ ماءِ السَّمَاء
وهُوَ الرَبُّ والشَّهيدُ عَلى يَومِ الحَيارَينِ والبَلاءُ بَلاءُ
ما أصابوا مِن تغلبيِّ فمَطَلولٌ عَلَيهِ إذا أصِيبَ العَفاءُ
كتكاليفِ قومِنا إذ غزا المُنذِرُ هَل نحنُ لاٌبنِ هِندٍ رِعاءُ
إذ أحَلَّ العَلياءَ قُبَّة مَيسون فأدنى دِيارِها العَوصاءُ
فهَداهُمْ بالأسْوَدَينِ وأَمرُ اللهِ بَلْغٌ يشقى بهِ الأشقياءُ
لَم يَغُرّوكُمُ غُروراً ولكنْ-- يَرفعُ الآلُ جَمْعَهُم والضَّحاءُ
أَيُّها الشانِئُ المُبلِّغُ عَنّا-- عِندَ عَمرٍو وهلْ لِذاكَ اٌنتهاءُ
مَن لنا عِندَهُ مِن الخيرِ آياتٌ ثلاثٌ في كُلِّهِنَّ القضاءُ
فرَدَدْناهُمُ بطعْنٍ كما يَخرُجُ مِن خُربَةِ المَزادِ الماءُ
وَفعَلنا بهِمْ كما عَلِمَ اللهُ وما إن لِلحائِنين دِماءُ
وأتيناهُمُ بتِسْعَةِ أملاكٍ كِرامٍ أسْلابُهُم أغْلاءُ
فاتْرُكُوا الطّيخ وَالتَّعَاشِيْ وإمَّا-- تتعَاشَوا ففِي التَّعَاشِي الدَّاءُ
واٌعْلمُوا أنَّنا وإيَّاكُمُ فِيمَا اٌشترَطْنا يَوْمَ اٌختلفْنا سَوَاءُ
أعليْنا جُناحُ كِنْدَة أن يَغْنمَ غازِيْهِمُ ومِنَّا الجَزاءُ
ليسَ مِنّا المُضَرَّبون ولا قيسٌ ولا جَندَلٌ ولا الحَدّاءُ
_______

* {المنذر بن ماء السماء: والد عمرو بن هند، يُعرَف بالمنذر الثالث أيضاَ، انتهى ملكه نحو سنة ٥٥٤ وفي البيت إقواء (وهو اختلاف حركة الرّوِيّ) فرَوِيّ القصيدة مضموم لكنه في هذا البيت مخفوض! والإقواء عيب من عيوب القافية} – المُحَقق

المعارضة
----------

غُلِبَتْ بالمَحَبّةِ الأعداءُ – وتساقىٰ كؤوسَها العُقلاءُ

بَرَدَتْ كالجَليد نارُ خِصامٍ – بيننا بَلْ خصُومُنا أصدقاءُ

إذ تسامىٰ فوق الجراح وِدادٌ – وتهاوتْ مِن سَطحِها الكبرياءُ

بعد حِينٍ وطولِ بالٍ وصَبْرٍ – ومَسَاعٍ سَعىٰ بها سُـفراءُ

بعد قرنٍ أزاحَ عشرين قرناً – وتخلّتْ عن نهْجها الصّحْراءُ

إنّ عهد البَسُوس ولّى ولن يرجـِعَ لا داحِسٌ ولا الغبْراءُ

وأتِيحَتْ للأرض فرصة عُـمْرٍ – إذ توالىٰ عَبْرَ الجهاتِ نِداءُ

مِن فضائيّةٍ أطلّتْ على الناسِ بوَعْـظٍ لمْ يُلقِهِ الأنبياءُ

وَعْظُها مِن مَواهِب الجَبَلِ الرّاسِخِ فينا طُوباهُ والإرتـقاءُ ١

فاٌستفاقتْ مِن نومِها سارة القدسِ مِثالاً وحُلْمُها العلياءُ

مُذ رأتْ مُلهِمَ المَحَبّةِ يدعوها إليهِ قالتْ بهِ الإقـتداءُ

بلْ بهِ الإبتداءُ والإنتهاءُ – ألِفٌ دامَ مَجْدُهُ والياءُ ٢

فإذا ما رآى الورىٰ مُعجزاتٍ – صَدّقوا ما جرىٰ وعَمّ الضِّياءُ

وروىٰ مَن روىٰ وصَاغ شُهودٌ – صِدْقَ بُشرىٰ قِـيامَةٍ أمَناءُ

إنّهُ آدَمُ الجديدُ أتانا – بجديدٍ فجُدِّدَتْ حوّاءُ

مُذ أجابتْ نعَمْ أنا أمَة الرَّبِّ وصارتْ أمّاً لهُ العـذراءُ ٣

فهنيئاً لسارةِ الحّبّ نِعْمَ الحُلمُ هذا ونِعْمتِ الأنباءُ

أنبأتْـني بما رأتْ فاٌلتقينا – وبكأس الخلاص طابَ اللقاءُ

يَومَ أسرىٰ بها المُخلِّصُ مِن أقصى سَرابٍ وبُوركَ الإسراءُ

فاٌستراحتْ نفْـسِي بمَقدمِ نِصْفي – لا بديلٌ عنها ولا اٌستِغناءُ

وعَرَفتُ التي تعلّق قلبي – سارة ٌ لا هِندٌ ولا أسماءُ

ووَجَدْتُ التي بها اٌنتعشَ الشِّعرُ وجاز الهوى وذابَ الحَيَاءُ

وأصابَ الخيالُ مَعنىً لحُسْنٍ – تتزيّا في ضوئِهِ الحَسْـناءُ

دِفءُ رُوحٍ وخِصْبُها والمُحَيّا – مُشْرِقٌ والسّرائرُ البيضاءُ

واٌنسجامٌ على المدى واٌتِّفاقٌ – واٌختلافٌ لكنّهُ بَـنّاءُ

بَيْدَ أنّ الأشكالَ ليستْ بمقياسِ جَمالٍ مَهْما قضىٰ اٌستفـتاءُ

رُبّ عينٍ مفتوحةٍ عَمْياءُ – رُبّ أُذنٍ عريضةٍ صَمّاءُ

فإذا أنبَتَ الزّمانُ كِراماً – شَهِدَ المَرْءُ أنهُمْ حُكماءُ

وإذا أفرز الزمانُ لِئاماً – تعِبَ الناسُ واٌشتكىٰ البُسَطاءُ

وإذا ما اٌدّعىٰ المكانة عِلْجٌ – تبـِعَـتهُ العُلوجُ والأغبياءُ

والصّعاليكُ مَن عليهِمْ دُيونٌ – وغُزاة ٌ وثُـلّة ٌ غوغاءُ

شرّ ما يُخرِجُ الزمانُ كِتابٌ – يَخدَعُ الخلْقَ حَرْفُهُ والهُراءُ

كلّ حَرْفٍ يُـقالُ ضدّ الوصايا العَشر نارٌ وَقودُها الأبرياءُ ٤

إنْ يَبـِتْ كلّ ذي كتابٍ نبيّاً – لاٌستحقّ النبوّة الشعراءُ

واٌستحقّتْ جدارة ً شاعِـراتٌ – مُذ أجادتْ عَصْماءُ والخنساءُ

حَسْبُ أهْـلِ المُعَلّقاتِ اٌفـتخاراً – سُمِعَتْ لاٌنتشارِها أصداءُ

لا يُضاهي أوزانها والقوافي – سَجْعُ هذا وذاكَ يا فُـقهاءُ

فكفى ما اٌعتراهُ وَلْسَاً ودَلْسَاً – عُرِّيَتْ من ثيابها الأخطاءُ

وعَلتْ فوق كلّ طُولٍ وعَرْضٍ – شعلةُ الحقّ واٌستضاء الفضاءُ

واٌنطوتْ صفحة الجَهالةِ بالعِلْمِ وذلّتْ كهوفُها والغِطاءُ

إنّ سَجْعَ الكُهّان ليس بوَحْيٍ – بلْ خِطابٌ وراءَهُ اٌلإنشاءُ

كلّ وَحْيٍ في خِدمَةِ المَرء معروفٌ بسِفْرٍ وكلّ سِفرٍ قضاءُ

نِعْمَة ٌ دامَ ظِلّها ودواءُ – بلْ حياة ٌ وزادُها والعَزاءُ

كالمزامير والأناشيد للروح مَعِينٌ يزهو بها مَن يشاءُ

يُفرحُ الرَّبَّ كلُّ شكلٍ من التسبيح أنّى يُسبِّحُ الأتقياءُ

هَمَّ داوودُ راقِصاً ليسَ عَيباً – رقصُهُ واٌندماجُهُ والغِناءُ ٥

وتغنّيتُ بالقصيدة للرّبّ لِوَحْي الكتاب فيها اٌنتماءُ

واٌنزوىٰ رسّامٌ برَسْمٍ جميلٍ – مِن مَعاني الكتاب شعّ البَهاءُ

بالكتاب المُقدَّس اٌنشغلَ العالَمُ طُرّاً وأبدعَ العُلماءُ

كلماتٌ بليغة ٌ لا تُضاهىٰ – بسِواها ولا تقولُ السّماءُ

*******

١ إشارة إلى موعظة الجبل في الإنجيل بتدوين البشير متّى- الأصحاح (الفصل) الخامس

٢ إشارة إلى سفر الرؤيا للبشير يوحَنّا 13:22

٣ إشارة إلى البشارة بميلاد يسوع المسيح له المجد في الإنجيل بتدوين لوقا 38:1

٤ إشارة إلى الوصايا العشر في سِفر الخروج- الأصحاح 20

٥ إشارة إلى سِفر صموئيل الثاني 14:6 وسِفر أخبار الأيّام الأول
29:15
 

معارضة المعلّقات العشر (٨) مُعَلَّقة الأعشىٰ قيس

بقلم: رياض الحبيّب
في 27 يناير 2011

الأعشى قيس أو الأعشى الكبير (ت 729 م – 7 هـ) شاعر نصراني من الطبقة الأولى ومن طراز رفيع؛ هو ميمون بن قيس بن جندل... من قبيلة بكر بن وائل الثابتة- وقبيلة تغلب بن وائل- على النصرانيّة حتى القرن الرابع الهجري، بحسب كتاب «النصرانيّة وآدابها بين عرب الجاهليّة» ص 423 للأب لويس شيخو اليسوعي (1859-1927) وقد لقّب بالأعشى لضعف في بصره ما تحوّل الى ظلمة في عينيه في النهاية، لكنه يُكنى تفاؤلاً: أبا بصير. وقد لُقِّب بالأعشى شعراء آخرون، منهم أعشى بني ربيعة وأعشى همدان وأعشى بني سليم

ولد الشاعر في قرية منفوحة القديمة والحضرية (من قرى وادي حنيفة وحاليّاً من أحياء الرياض) ونشأ فيها ثمّ تنقّل في أطراف شبه الجزيرة واٌرتحل الى بلدان الحبشة والشام والعجم واتصل بملوك اليمن والحبش والمناذرة والغساسنة سائلاً المال بشعره، حتى قيل أنه أوّل مُنتجـِع بقصائده، أي أوّل مبتكر لشعر المديح طالباً المال، ما يُعلّل إقدام بعض ملوك العرب على إكرامه من خشية لسانه؛ هو القائل

وقد طُفْتُ للمال آفاقـَهُ -- عُمَان فحِمْصَ فأُورَشَلِمْ
أتيتُ النجاشيَّ في أرْضِهِ -- وأرضَ النبيط وأرض العَجَمْ
فنجران فالسَّرْوَ مِن حِمْيَرٍ -- فأيّ مَرامٍ لهُ لمْ أرُمْ
ومِن بَعْدِ ذاك إلى حَضْرَموْتَ -- فأوفيْتُ همِّي وحيناً أهِمّْ
وقد اشتهر شاعرنا أيضاً بلقب “صنّاجة العرب” لأنه تغنّى بشعره في مجالس الشرب وغيرها، علماً أنّ كلمة “الصنج” الواردة في معلّقته فارسية. وقد أنشد الشعر معنيّاً بقضايا عصره المعروف بالغزوات والصراعات، بالإضافة إلى الغزل والخمر والمتعة. ومَن يتصفّح ديوانه باهتمام تلفتهُ حداثة ما قياساً على زمنه، لكنّ اللافت الأهمّ هو تعامل الأعشى الإيجابي مع الآخر المختلف عِرقيّاً ودينيّاً وثقافيّاً مُنفتِحاً عليه بروح مسيحيّة واضحة في بعض القصائد. أمّا المزيد من سيرته وديوانه فواردٌ في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وفي مواقع الكترونية عدّة، منها المذكور أدنى. وقد اخترت من معلّقته الأبيات التالية

وَدِّعْ هُرَيْرَة إنّ الرَّكْبَ مُرْتحِلُ-- وَهَلْ تُطِيقُ وَداعاً أيّهَا الرَّجُلُ
غـَرَّاءُ فـَرْعَاءُ مَصْقولٌ عَوَارِضُهَا-- تمشِي الهُوَينا كمَا يَمشِي الوَجيْ الوَحِلُ
كأنّ مِشْيَتهَا مِن بَيْتِ جَارَتِهَا-- مَرُّ السَّحَابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ
ليستْ كمَن يكرَهُ الجيرَانُ طَلعَتـَهَا-- ولا ترَاهَا لسِرِّ الجَارِ تختتِلُ
يَكادُ يَصرَعُهَا لولا تشدُّدُهَا-- إذا تقـُومُ إلى جَارَاتِهَا الكسَلُ
أأنْ رأتْ رَجُلاً أعشى أضَرَّ بهِ-- رَيبُ المَنونِ ودَهْرٌ مُفْنِدٌ خـَبِلُ
إذا تقومُ يَضُوعُ المِسْكُ أصْوِرَة ً-- والزَّنبَقُ الوَرْدُ مِن أرْدانِهَا شَمِلُ
ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْمِ مُعشِبة ٌ-- خضرَاءُ جَادَ عليهَا مُسْبـِلٌ هَطِلُ
يُضَاحِكُ الشَّمسَ مِنهَا كوكبٌ شَرِقٌ-- مُؤزَّرٌ بعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتهِلُ
عُلّقتُهَا عَرَضاً وعُلِّقتْ رَجُلاً-- غـَيْرِي وعُلِّق أخرى غـَيْرَهَا الرَّجُلُ
وعُلِّقتْنِي أُخـَيْرَى مَا تُلائِمُنِي-- فاٌجتمَعَ الحُبّ حُبٌّ كُلُّهُ تـَبـِلُ
فكُلّنا مُغْرَمٌ يَهْذِي بصَاحِبهِ-- ناءٍ ودانٍ ومَحبُولٌ ومُحتبـِلُ
قالتْ هُرَيرَة لمَّا جئتُ زائِرَها-- وَيْلِي عَليكَ ووَيلِي مِنكَ يَا رَجُلُ
يَا مَن يَرَى عَارِضاً قد بتُّ أرقبُهُ-- كأنَّمَا البَرْقُ فِي حَافاتِهِ شُعَلُ
لمْ يُلْهِنِي اللَّهْوُ عَنْهُ حِين أرقبُهُ-- ولا اللَّذاذة مِن كأسٍ ولا الكسَلُ
قالُوا نِمَارٌ فبَطنُ الخالِ جَادَهُمَا-- فالعَسْجَدِيَّة فالأبْلاءُ فالرِّجَلُ
فالسَّفْحُ يَجرِي فخِنْزِيرٌ فبُرْقتُهُ-- حَتَّى تدَافعَ مِنْهُ الرَّبْوُ فالجَبَلُ
وبَلدَةٍ مِثلِ ظهر التُّرْسِ مُوحِشةٍ-- للجنّ باللّيْلِ فِي حَافاتِهَا زَجَلُ
إمَّا ترَيْنا حُفاة لا نِعَالَ لنا-- إنَّا كذلِكَ مَا نـَحْفى وننتعِلُ
فقدْ أخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غفلتـَهُ-- وقد يُحَاذِرُ مِنِّي ثُمّ مَا يَئِلُ
وقد غدوْتُ إلى الحَانوتِ يتبَعُنِي-- شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلشُلٌ شَوِلُ
فِي فِتيَةٍ كسُيُوفِ الهِندِ قد عَلِمُوا-- أن ليسَ يَدفعُ عنّي الحِيلةِ الحِيَلُ
نازعْتـُهُمْ قـُضُبَ الرَّيْحَانِ مُتَّكِئاً-- وقهْوَةً مُزّة راوُوقهَا خـَضِلُ
ومُستجيبٍ تخالُ الصَّنجَ يَسمَعُهُ-- إذا تُرَجِّعُ فِيهِ القـَيْنةُ الفُضُلُ
مِن كُلّ ذلِكَ يَوْمٌ قد لهَوْتُ بهِ-- وفِي التَّجَارِب طُولُ اللَّهوِ والغزلُ
أبْلِغْ يَزِيدَ بَنِي شَيْبَان مَألُكةً-- أبَا ثُبَيْتٍ! أمَا تنفكُّ تأتكِلُ
تُغْرِي بنا رَهْطَ مَسعُودٍ وإخْوَتِهِ-- عِندَ اللِّقاءِ فتُرْدِي ثُمَّ تعتزِلُ
كناطِحٍ صَخرَة يَوْماً ليُوهِنها-- فلمْ يَضِرْها وأوْهَى قرْنهُ الوَعِلُ
قد كان فِي آلِ كَهْفٍ إن هُمُ قعدوا-- والجَاشِرِيَّةِ مَن يَسْعَى ويَنتضِلُ
سَائِلْ بَنِي أسَدٍ عَنَّا فقدْ عَلِمُوا-- أنْ سَوْفَ يَأتِيكَ مِن أنْبائِنا شَكَلُ
واٌسْألْ قـُشَيْراً وعَبْدَ اللهِ كُلَّهُمُ-- واٌسْألْ رَبيعَة عَنَّا كيْفَ نفتعِلُ
حَتَّى يَظَلَّ عَمِيدُ القوْمِ مَتَّكِئاً-- يَدْفعُ بالرَّاحِ عَنْهُ نِسوَة ٌ عُجُلُ
أصَابَهُ هِنْدُوَانيٌّ فأقصَدَهُ-- أوْ ذابلٌ مِن رِمَاحِ الخـَطِّ مُعتدِلُ
لئِنْ مُنِيتَ بنا عَن غِبّ مَعرَكةٍ-- لمْ تُلْفِنا مِن دِمَاءِ القوْمِ ننتفِلُ
نحن الفوَارِسُ يَوْمَ الحِنْوِ ضَاحِيَةً-- جَنْبَيْ فـُطَيْمَةَ لا مِيلٌ ولا عُزُلُ
قالُوا الطّعان فقلنا تِلكَ عَادتُـنا-- أوْ تنْزِلُون فإنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ


المعارضة
----------

مَعَاً نُقِيمُ مَعَاً نمضي ونرتحِلُ – أنا وسارة فلْيُضرَبْ بنا المَثـلُ

مَعَاً نقرّرُ لا نحتاجُ توصِية – ولا دَليلاً إذا ما ضاقتِ السّبُلُ

ما للعواذِلِ والوديانُ تُبعِدُنا – عنهُنّ والحالُ والتّرحالُ والعَمَلُ

إلّا مُتابَعَة الأخبار آخِرُها – رَصْدُ الخُطىٰ وحَصَادُ المُخْبـِرِ الفشَلُ

لمّا نزلْ نتّـقي مِنهُنّ واحِدة ً – إلى متى نتحاشاها وتتّصِلُ

أختاهُ شُكراً لِما أسْديتِ مُخْلِصَة – شكراً أخِي وتيَقّنْ أنني رَجُلُ

وأنّ سارة في عَينيّ مَوطِنُها – إلى شواطئ عينيها اٌنتهىٰ الغزلُ

حازت هُرَيْرَة تشبيباً أجادَ بهِ الـ – أعشى وقد يُبدِعُ الأعمى ويَنفعِلُ

لكِنّ سَارايَ فوق الوصْفِ روعتُها – إذا تحاولُ في إحصائِها المُقلُ

وكمْ يُقصِّرُ في إنصافِ فِتنتِها – ورَشْفِ كأسِ هواها عاشِقٌ ثمِلُ

جادَت بفلسَفةٍ في ظلّ تسْبـِحَةٍ – ومِن فرائِدِها الإيحَاءُ والزّجَلُ

وذابَ أقسى فؤادٍ في دَعَابتِها – لسِحْرها البُلبُلُ الغِرّيدُ يَختتِلُ

إن حاوَرَت نفـَراً أصْغوا إلى لُغةٍ – حُسْنىٰ وإنْ جادَلوها طافتِ النـِّحَلُ

على السّطوح فلا دَلّ الذي عَلِموا – على مُفيدٍ ولا قلّ الذي جَهِلُوا

ماذا أحَدِّثُ عنهُمْ بَعْدَما سَفكوا – دَماً زكِيّاً وجُرْحِي ليس يَندمِلُ

***

وَدّعْتُ نهْرَين في وجْهَـيْهِما خـَجَلُ – وفي السّحَاب علىٰ وادِيهِما وَجَلُ

وفي ضِفافِهما نارٌ ومَمْلحَة – لا زرْع َ يَصمُدُ أمّا الماءُ لا يَصِلُ

ولا الفُراتُ فراتٌ لو تذوّقـَهُ – حَلْقٌ ولمّا يَسُغْ في دِجْلة العَسَلُ

كانا فُراتـَينِ في ماضِيهِما فأبىٰ – إلّا المرارة في المُستقبَلِ الوَحَلُ

إذ أُرسِلتْ سُفـُنُ الصّحراءِ حَامِلة – وَيْلاً على مَتنِها في بَطنِها حِيَلُ

جاءَ الغزاة بسيفِ الدّجْل حالُهُمُ – حِلٌّ حَلِيلٌ حَلولٌ حُلَّلٌ حِلَلُ

فما رَضَوا بحِوارٍ مُنصِفٍ مَعَنا – ولا رَضَوا بجـِوارٍ حيثما نزلوا

وكمْ تركْنا لهُمْ سَهْلاً ومزرعة – وكمْ رَحَلْنا وعَزّ التلّ والجَبَلُ

بادٍ تخبُّطُهُمْ مُؤذٍ تقبّلُهُمْ – لقولِ حَقٍّ وإنْ قالتْ بهِ المُثُلُ

أمّا الخفافيشُ فالرّادارُ يَرصُدُهُمْ – وتكنُسُ الزّمَرَ الشّرّيرة الدُّوَلُ

تطرّفوا بكِتابٍ في جَنائِنِها الـ – غـَضْراءِ لا ناقة ٌ فيها ولا جَمَلُ

ولا تُقدِّسُ عصْرَ الجاهِليّة بلْ – رِحابُها بفنون العَقل تحتفِلُ

فأين مِنها وحوشُ القحْطِ ما لبثوا – يستنزفون الورى والجَهْلُ والكسَلُ

ليت اٌكتفوا بنزيفِ الشرقِ واٌستتروا – وليتهُمْ مِن شعوب العالم اٌنفصَلوا

عاثوا فساداً بمِلْحِ الشرق واٌلتجَأوا – إلىٰ النظيفِ من البلدان واٌنعزلوا

وحَمّلوا دُوَلاً أطنان ما اٌحْتمَلتْ – مِن الغباء فخيرٌ مِنهُمُ الإبـِلُ

توسّمَتْ فيهِمُ خيراً وما عَلِمتْ – بأنّ خطّاً مِن الأديانِ مُفتعَلُ

وأنّ صِنفاً من الأقزامِ مَزبَلة ٌ – فيها وراحَ على الأعوان يَتّكِلُ

عارٍ يَكيل بمكيالين قائِلُهُ – يُعَدِّلُ الكيلَ مِن صَوبٍ ويَختزِلُ

هاوٍ وضيعٌ سَفِيهٌ ساذجٌ خرِقٌ – مُقـَلِّدٌ لصفاتِ الغـَيْر مُنتحِلُ

يا ليت شِعْريْ إذا رؤيايَ صائبَة – رأيتُهُ في رحاب الكون يبتهِلُ

إلى إلاهٍ غريب الشّكل ليسَ لهُ – حَيْلٌ ولا قدرة ٌ في ساقِهِ طللُ

ألقتْ بهِ الأرضُ مِن شبّاكِ مَنزلِها – فلا عُطارِدُ آواهُ ولا زُحَلُ

*****

لكنّ شخصاً وحِيداً صالِحاً أبَداً – راضٍ بمُختلفِ الأصنافِ مُنشغِـلُ

يَهُمّهُ حالُهُمْ أنّىٰ أتوا قـُدُمَاً – إلى الخلاص فما خابَ الأُلىٰ سألوا

لهُ كتابٌ بليغٌ حَرْفُهُ قبَسٌ – مُقدَّسُ الوَحْي في عَهْدَينِ مُكتمِلُ

أمّا القديمُ فمِفتاحٌ لمَعرفةٍ – بالخير والشرّ حيثُ الصّحّ والزللُ

طِفلٌ نما فرآىٰ من حولِهِ فوعىٰ – وفي الضّمير خـَيارُ الخُلْدِ والأمَلُ

في نِعْمَةٍ كُتِبَ العهدُ الجديدُ بها – هِيَ المَحَبّة في أركانِها شُعَلُ

تمتدّ في الكون لكنْ لا حُدودَ لها – مِلْءَ الزّمان نـَداها غـَيِّثٌ هَطِلُ

إذ جادَ بالدّم فادِينا ليُنقِـذنا – مِن الهلاكِ ودارىٰ ذبْحَهُ الحَمَلُ

علىٰ الصَّلِيب فخاضَ الموتَ مُرتفِعاً – بقوّة الرّوح وَهْوَ البَدءُ والأزلُ

ورافِعاً مَعَهُ الموتىٰ وقد شَهِدت – على قيامتِهِ الأشهادُ والرّسُلُ

أعطىٰ المواهِبَ كلّ المؤمِنين بهِ – والمُؤمِناتِ بما قالوا وما فعَلوا

كالمُعْجزاتِ وفي أيّامنا ظهَرَت – أمثالُها وتحدّىٰ الطّبَّ مُنتقِلُ

*******


معارضة المعلّقات العشر (٩) مُعَلَّقة عَبيد بن الأبرص

بقلم: رياض الحبيّب
في 03 فبراير 2009

عَبيد بن الأبرص (ت نحو 600 م – 25 ق هـ) بن عوف بن... بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضَر، من بني أسد والمعروف بـ شاعر مضر، من فحول شعراء النصرانية قبل الإسلام ومن طبقة اٌمرئ القيس (مُعاصِره) وليس أحَدُهما بأقلّ موهبة وصناعة من الآخر، دارت بينهما مناظرة شعرية دلّت على قوّة شاعريّة كلا الشاعرين بالإضافة إلى سرعة البديهة. وقد قمت شخصيّاً بمعارضة تلك المناظرة، يمكن الإطّلاع على المعارضة عبر الرابط التالي


عاش عبيد- وفق بعض قصائده- زماناً طويلاً، بل أزيَد من مئتي سنة ونيّف بحسب القصيدة التالية

ولتأتِيَنْ بَعْدي قُـرونٌ جَمَّةٌ -- تـَرعى مَخارِمَ أيْكَةٍ وَلَدودا
فالشمسُ طالِعَة وليلٌ كاسِفٌ -- والنجمُ تجري أنْحُسًا وسُعُودا
حَتّى يُقالَ لِمَن تعَرَّقَ دَهرَهُ -- يا ذا الزَّمانةِ هَل رَأيتَ عَبيدا
مِئتـَي زمانٍ كامِلٍ ونـَصِيَّة -- عِشرين عِشتُ مُعَمَّرًا مَحمودا
أدْرَكتُ أوَّلَ مُلْكِ نـَصْرٍ ناشِئاً -- وبـِناءَ سِندادٍ وَكان أُبيدا
وَطَلَبتُ ذا القرنَينِ حَتّى فاتني -- رَكضًا وكِدتُ بأن أَرى داؤودا
ما تبتغي مِن بَعدِ هذا عيشة ً-- إلّا الخُلودَ ولن تنالَ خُلودا
وليَفنـَيَنْ هذا وَذاكَ كِلاهُما -- إلّا الإِلهَ ووَجْهَهُ المعبودا

نصِيَّة: أي بقيّة. لكنّي أرى بقوله (مِئتـَي زمان... إلخ) تعبيراً مَجازيّاً من خلال رؤياه (هَل رَأيتَ عَبيدا) فيمكن تقدير عمر الشاعر ما بين معاصرة اٌمرئ القيس وبين فترة حكم النعمان بن المنذر ملك الحِيرة (582-609 م) الملقب بأبي قابوس وصاحب يَوْمَي “البؤس والنعيم” إذ لقِيَ عبيد بن الأبرص في يوم بؤسِهِ فخيّرهُ الطريقة التي يقتله بها فقال عبيد

وخيّرني ذو البؤس في يوم بؤسِهِ -- خِصالاً أرى في كلّها الموت قد بَرَقْ
كما خُيِّرَتْ عادٌ من الدهر مرّة ً -- سحائبَ ما فيها لذي خيرةٍ أنَقْ
 سحائبَ ريحٍ لمْ توكّل ببلدةٍ – فتترُكَها إلّا كما ليلةِ الطّلـَقْ

فاختار الشاعر أن يُسقى خمراً فسُقِيَ ثمّ أمَرَ المَلِك ففُصِدَ (أي شُقّ عِرْقُهُ) فنزف دمه حتى الموت. ويُظنّ أنّ المنذر بن اٌمرئ القيس بن النعمان أحد ملوك الحِيرة والمُلقب باٌبن ماء السماء هو قاتل عبيد بن الأبرص، لكنّ ذلك الظنّ لن يصحّ ما لم يكن المَلِكُ اٌبن ماء السماء هو صاحب يَومَي البؤس والنعيم وليس أبا قابوس الذي ذكره النابغة الذبياني في معلّقته. ويقول شارح ديوان عبيد- أشرف أحمد عَدرَة- عن عاد: {عاد: قبيلة أراد الله إهلاكها فأرسل إليها سُحُباً مختلفة الألوان وخيّرَها نبيّها بينها فاختارتِ السحابة التي أبادتها. الأنق: الإعجاب والفرح. المعنى: أراد ذو البؤس هلاكي فخيّرني بما هو سبيلي إليه، كما خيّرَ عاداً نبيُّها} انتهى

كان شاعرنا، على رغم فقر حاله المعيشي نسبيّاً، من سادات قومه بني أسد (الذين قتلوا حُجْر بن الحارث الكندي- والد اٌمرئ القيس) والناطق باٌسمهم في المديح والهجاء والمفاوضات. وقد تفاخر بإمكانيّته الشعريّة واصفاً نفسه بأمْهَـرَ الشّعراء حين قال

سَلِ الشّعَراءَ هَلْ سبَحوا كسَبْحي – بُحُورَ الشّعْر أو غاصُوا مَغاصِي
لِساني بالقريض وبالقوافي – وبالأشعار أمْهَرُ في الغواصِ

ويبدو لي ممّا تقدّم أنّ عَبيد بن الأبرص أوّل من وردت في شعره عبارة “بحور الشعر” التي نسّقها في ما بعد الخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسِّساً عِلم العَروض. ومن يقرأ ديوان عبيد يجد أنه حقّاً يمتلك مقوّمات الشعر القديم لغة ومعنىً، متمكناً من البحور والقوافي، لكنّ قصيدته التي اٌشتُهِرَ بها وعَدّها الإمام والمُحدِّث ابن قتيبة (ت 276 هـ - 889 م) من المُعَلّقات السّبع أثارت جدلاً بين النّقّاد القدامى، بسبب كثرة زحافاتها وعِللها- على رأي الشارح- ما أدّى إلى اضطراب في موسيقاها، حتى بدا بحرُها غريباً (يُدعى بالبسيط المُخلَّع) وهو ضرب من مجزوء البسيط (مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلُنْ مستفعلن) وقد اختلطا في هذه القصيدة، لكني أرى في ما لمْ يألفِ العرب مِن قبْلُ سبباً من أسباب شهرتها
أمّا المزيد من سيرة الشاعر فواردٌ في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وفي مواقع الكترونية عدّة. وقد اخترت من معلّقته الأبيات التالية وقد ذكر الله فيها ثلاث مرّات

أقفرَ مِن أهلِهِ مَلحُوبُ – فالقُـطَبـِيّاتُ فالذَّنوبُ
أرضٌ تـَـوارَثُها شعوبٌ – فكُلُّ مَن حَلَّها مَحْروبُ
عَيناكَ دَمعُهُـما سَـروبُ – كأنَّ شَـأنـَيهِما شَـعِـيـبُ
تصبـو وأنَّـى لكَ التَّصابي – أنّـى وقد راعَكَ الـمَشِيبُ
إن يكُ حُوِّل منها أهلُها – فلا بَديءٌ ولا عَجيبُ
فكُلُّ ذي نِعمَةٍ مَخلوسُها – وكُلُّ ذي أمَلٍ مَكذوبُ
وكُـلُّ ذي إبـِلٍ مَـوروثها – وكلُّ ذي سَلَبٍ مَسلوبُ
وكُلُّ ذي غـَيْبَةٍ يَؤوبُ – وغائِبُ المَوتِ لا يَؤوبُ
أعاقِـرٌ مِثـلُ ذاتِ رحْمٍ – أمْ غانِـمٌ مِثـلُ مَـن يَخِيـبُ
مَن يَسألِ النَّـاسَ يَحْـرِمُوهُ – وسائِـلُ اللهِ لا يَخِيـبُ
ساعِدْ بأرضٍ إن كُنتَ فيها – ولا تقُـل إنَّني غريبُ
قد يُوصَلُ النازِحُ النائي وقد – يُقطَعُ ذو السُّهمَةِ القريبُ
بـالله يُـدرَكُ كُـلُّ خـَيْر – والقـولُ فِـي بَعضِـهِ تلغِيـبُ
واللهُ ليسَ لـهُ شَـرِيكٌ – عَلّامُ مَـا أخْفتِ القلوبُ
والمَـرءُ مَا عَـاشَ فِي تكذِيبٍ – طولُ الحَياةِ لهُ تعذيبُ
فرُبَّ ماءٍ وَرَدتُ آجـِنٍ – سَبيلُهُ خائِفٌ جَديبُ
ريشُ الحَمامِ عَلى أرجائِهِ – لِلقلب مِن خوفِهِ وَجـِيبُ
أفلِـحْ بمَا شِئـتَ قـدْ يُبْلَـغُ بالضَّعـفِ وقدْ يُخدَعُ الأرِيبُ

 ***

المعارضة
----------

سَبْعاً حكىٰ المَلِكُ المصلوبُ – لِسانُهُ مُحْكَمٌ عَجيبُ

الواهِبُ الإبن َ خيرَ أمٍّ – والإبنُ للربّ مُستجيبُ ١

عطشانُ لا يرتوي بماءٍ – ترويهِ مِن حُبِّها القلوبُ ٢

أنتَ معي اليوم في الفردوس بَلْ – لكُلِّ مَن آمَنوا نصِيبُ ٣

غفرانُهُ غيرُ مُستحَقٍّ – لولا على مَتْـنِهِ الذنوبُ ٤

قد أُكْمِلَ العَهْدُ في جديدٍ – ومِن نبوّاتِهِ الصّليبُ ٥

إيلي لماذا تركْتني هلْ – تذكَّرَ الشعْبُ ما مكتوبُ ٦

يا أبَـتي في يَدَيْـك رُوحِي – بالمَوتِ عَن خاصّتي أنوبُ ٧

فاٌنشقّ عَن هَيكلٍ حِجابٌ – وعافهُ كاهِنٌ مُريبُ

للنّاس مفتوحة ٌ سَماءٌ – يأوي إلى الله مَن يتوبُ

مُعترِفاً بالمسيحِ رَبّاً – والصّوتِ: هذا اٌبنِيَ الحبيبُ

واٌنفتحتْ بَغتة ً قبورٌ – والمَوتُ مهما يَطُلْ مغلوبُ

حالَ إلى ظُلْمَةٍ فضاءٌ – لكنْ كسُوفٌ طغىٰ غريبُ

 ***

سَبْعاً حكىٰ والزمان ولّىٰ – وقولُهُ في الحَشا يذوبُ

يردِّدُ النّاسُ كلّ قولٍ – لهُ وكمْ ترجَمَتْ شُعوبُ

وكمْ بهِ اٌصطلحتْ خُصومٌ – وكمْ بهِ غُطِّيَتْ عُيوبُ

بقولهِ الحقّ مُستبينٌ – وصرخة الحقّ لا تخيبُ

نادىٰ بهِ كلّ مُستجيرٍ – وفاز مَن حَقّهُ مسلوبُ

لأنّهُ الحقّ لا غبارٌ – عليهِ ما اٌشتدّتِ الخطوبُ

للإنسِ مِن فضْلِهِ حُقوقٌ – لولاهُ مِيثاقها مَشُوبُ

هُوَ الطريق الذي يؤدّي – إلى حياةٍ هُوَ الطبيبُ

وقد شفىٰ مَن شفىٰ ولكنْ – تشفىٰ بهِ الرّوحُ بلْ تطِيبُ

*****

 فلْيَعْلمِ العاقِـلُ الأريبُ – وليَفهَمِ المُبْصِرُ اللبيبُ

ما جاءَ بالحقّ فيلسوفٌ – ولا حكِيمٌ ولا أديبُ

لولا المَسِيحُ الذي يُغـَذّي – فمَاً فلا قولة ٌ تُصِيبُ

كِتابُهُ واضِحٌ بليغٌ – بنورهِ تـنجلي الغُيُوبُ

مقامُهُ في العُلىٰ رَصِينٌ – وظِلّهُ في الدّنىٰ قريبُ

مَنْ يَدْعُهُ يَأتِهِ سَريعاً – وكلّ داعٍ لهُ موهوبُ

يقرعُ بابَ الفؤادِ حُبّاً – وفتحُ بابِ النّهىٰ مطلوبُ

لدعوةٍ سِرّها عشاءٌ – ألذّ ما يُشتهىٰ مرغـوبُ

ما غابَ عن دعوةٍ لداعٍ – عَن صادقِ الوعْدِ لا يغيبُ

حاشا ولا خابَ فيهِ ظنّ ٌ – ولمْ يَدُمْ مَوقِفٌ عَـصِيبُ

ليت تحلّىٰ الورىٰ بصَبْرٍ – خيرُ مثالٍ لهُمْ أيّوبُ

عذبٌ هُوَ الربُّ كُلّ حِينٍ – أبٌ عَنِ الحُبِّ لا يَؤوبُ

خلاصُهُ حاصِلٌ يَقِيناً – وصَدرُهُ للورىٰ رَحِيبُ

 *******

١ إشارة إلى البشارة (الإنجيل) بتدوين البشير يُوْحَنّا 19: 26-27
 {فلما رأى يسوع أمَّهُ، والتلميذ الذي كان يُحبّهُ واقفاً، قال لأمِّهِ: يا اٌمرأة، هُوَذا ابنكِ. ثم قال للتلميذ: هُوَذا أمّكَ. ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصّتِهِ} انتهى
عِلماً أنّ التلميذ المقصود هو البشير يُوحَنّا نفسه وقد حضر حادثة الصّلب مع السيّدة العذراء، بالإضافة إلى جموع غفيرة، منهم مؤرّخون يهود ووثنيّون

٢ يُوحَنّا 28:19 بعد هذا رأى يسوعُ أنّ كلّ شيء قد كمَلَ، فلِكَي يَتِمّ الكتابُ قال: أنا عطشان

٣ إشارة إلى البشارة بتدوين البشير لوقا 43:23
 {فقال له يسوعُ: الحقّ أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوس} انتهى
والهاء في “له” تعود إلى اللّصّ المصلوب إلى جهة اليمين

٤ لوقا 34:23 {فقالَ يَسُوعُ: يَا أبَتاهُ، اغْفِرْ لهُمْ، لأنَّهُمْ لا يَعْلمُون ماذا يَفعَلون}

٥ يُوحَنّا 30:19 {فلمَّا أخذ يَسُوعُ الخَلَّ قالَ: قدْ أُكْمِلَ}

٦ مَتّى 46:27 ومرقس 34:15 {ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً: إيلي، إيلي، لِمَا شبقتني؟ أي: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟} انتهى. ويقول العلّامة الخوري السّرياني يوسف داود الموصليّ، مترجم الكتاب المُقدّس عام 1875 أنّ [هذه الألفاظ سريانية كلدانية مأخوذة حرفاً بحرف من المزمور الثاني والعشرين بحسب النسختين العبرانيّة والسّريانيّة: {إلهي إلهي لماذا تركتني. تباعدتَ عن خلاصي عن أقوال أنيني} وهي مُحرَّرة هنا بحسب ما كان يلفظها اليهود في ذلك الزمان] انتهى

٧ لوقا 46:23 {ونادى يسوعُ بصوتٍ عظيمٍ وقال: يا أبتاه، في يَدَيكَ أستودعُ رُوحِي}

معارضة المعلّقات العشر (١٠) مُعَلَّقة النابغة الذبياني

بقلم: رياض الحبيّب
في 09 فبراير 2011

أقتبس بتصرف واختصار من دراسة د. حَنّا نصر الحِتّي في كتابه الموسوم “شعراؤنا- شرح ديوان النابغة الذبياني” والناشر: دار الكتاب العربي- بيروت، لبنان- التالي
النابغة الذبياني (ت سنة 604 م - 18 ق هـ) شاعر مسيحي من الطبقة الأولى وهو زياد بن معاوية بن ضباب بن جناب بن يربوع... بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان... بن عيلان بن مضر، كُنِيَ بابنتيه: أمامة وثمامة- على عادة العرب آنذاك
قيل أنه لُـقِّب بالنابغة لقوله: (فقد نبَغتْ لهُمْ مِنّا شؤون) والجدير ذكره أنّ شعراء آخرين لُـقّبوا باللقب عينه، مثل النابغة الجعدي والنابغة الشيباني ونابغة بني ديان الحارثي والنابغة الغنوي والنابغة العَدْواني ونابغة ذبياني آخر هو نابغة بني قتال بن يربوع والنابغة التغلبي واٌسمه الحارث

وفد النابغة على أبي قابوس النعمان بن المنذر- أحد ملوك الحِيرة- فقرّبهُ إليه دون سائر الشعراء وجعله في حاشيته يُنادمُه ويُؤاكله بآنية من الفضة والذهب وقد أغدق عليه العطايا، ما أثار حسد الحاسدين فتربّصوا به ليبعدوه عن بلاط المناذرة فنجحوا حتى هَـمّ المُنذر بقتله. ففرّ منه النابغة لاجئاً إلى الغساسنة في الشام فمدحهم أيضاً وفي قلبه شوق وحنين إلى منادمة أبي قابوس ثانية والذي استمر الشاعر يمدحه من هناك مُعتذراً بقصائد سُمّيت بـ “الإعتذاريّات” وهي من أجمل شعره، مُبَرّئاً نفسه من مختلف الإدعاءات والأكاذيب ممّا رماه بها المنخّل اليشكريّ وابنا عوف بن قريع وغيرهم. ولم تطُلْ غربة الشاعر فما لبث أن عاد إلى دياره بعد موت المنذر ليقضي مع قبيلته أواخر أيّامه

وتعقيباً مقتبساً من سيرة الشاعر المدوّنة في ويكيپـيديا- عن ابن قتيبة: [جاء النابغة أبا قابوس مع رجلين من فزارة هُما: زيّان بن سيّار ومنظور بن سيّار وبينهما وبين النعمان مودّة وصفاء وكان الملك قد ضرب لهما قبّة، وهو لا يعلم أن النابغة معهما. وقد أشار النابغة على إحدى القيان أن تغنّي أبياتاً من قصيدته "يا دارَ مَيّة" ومنها قوله
أنبـِئتُ أن أبا قابوس أوعَدَني – ولا قرارَ على زأرٍ من الأسَدِ

فلما سمع الملك النعمان هذا الشعر قال: هذا شعر علوي، هذا شعر النابغة. وسأل عنه، فأخبر مع صديقيه الفزاريين اللذين كلّماه فيه، فأمّنه النعمان. ومهما يكن من أمر الاختلاف حول أسباب عودة النابغة إلى بلاط الحيرة، فإن الشاعر استرجع مكانته عند الملك النعمان واستأنف مدائحه فيه] انتهى

حقق النابغة شهرة أدبية واسعة في أنحاء الجزيرة وأصبح سيّد قبيلته، يدفع عنها الأذى ويخلّص أسراها ويلعب دور الزعيم المرشد لها، ينهاها عن الحرب تارّة ويأمرها بها تارة أخرى ويحثها على الإحتفاظ بمحالفاتها وعهودها ويخوّفها بطش الغسّانيّين
أمّا أقوال النقاد القدماء في فنّه فكثيرة وقد اخترت منها التالي؛ قال صاحب الأغاني: كان يُضرَبُ للنابغة الذبياني قبّة مِن أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء، فتعرض عليه أشعارها؛ وأوّل من أنشده الأعشى قيس ثمّ حسّان بن ثابت، ثمّ أنشدته الخنساء بنت عمرو بن الشّريد
وإنّ صخراً لتأتمّ الهُداة بهِ - كأنّهُ عَلـَمٌ في رأسِهِ نارُ

فقال النابغة للخنساء: والله لولا أنّ أبا بصير [أي الأعشى] أنشدني آنِفاً لقلتُ أنكِ أشعَرُ الجنّ والإنس. فقام حسّان بن ثابت فقال: والله لـأنا أشعر منك ومن أبيك! فقال النابغة: إنك يا اٌبن أخي لا تُحسِن أن تقول
فإنّكَ كالليل الذي هُوَ مُدرِكي – وإنْ خِلتُ أنّ المُنتأى عنكَ واسعُ
خطاطِيفُ حُجْنٍ في حِبَالٍ مَتِـينةٍ – تمُدّ بها أيْدٍ إلـيكَ نـوازعُ

فخنس حسّان لقوله [خنس: رضخ] – الأغاني ج 11 ص 6 ومن هذا النصّ [وغيره] نستدلّ على مكانة النابغة في عالم الشعر وتفوّقه على الشعراء الذين رضخوا لأحكامه واحترموا أقواله. ولقد كان النابغة موضع إعجاب الخليفة عمر بن الخطاب إذ جعله أشعر شعراء غطفان، بل قال كذلك أفضل شعراء العرب جميعاً- الأغاني ج 11 ص 4 ووصفه ابن سلّام بقوله: كان أحسنهم ديباجة شعر وأكثرهم رونق كلام وأجزلهم بيتاً

أمّا المزيد من سيرة النابغة [وسائر شعراء المعلقات] فواردٌ في كتب تراثية كثيرة منها “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني و”الأمالي” للقالي و”المعلقات العشر” للخطيب التبريزي و”طبقات الشعراء” لابن سلّام الجمحي و”الشعر والشعراء” لابن قتيبة و”العقد الفريد” لابن عبد ربّه و”شعراء النصرانية قبل الإسلام” للأب لويس شيخو اليسوعي- وتحديداً القسم الخامس في شعراء نجد والحجاز والعراق ومنهم النابغة الذبياني- وفي مواقع الكترونية عدّة. وقد اخترت من معلّقته الأبيات التالية

يا دارَ مَيَّة بالعَلياءِ فالسَّنـَدِ -- أقوَتْ وطالَ عَليها سالِفُ الأبَدِ
وَقفتُ فيها أُصيلاناً أسائِلها -- عَيَّت جَواباً وما بالرَّبعِ مِن أحَدِ
إلّا الأوارِيَّ لـأْياً ما أبَيِّنُها -- والنُّؤيَ كالحَوضِ بالمَظلومَةِ الجَلـَدِ
رَدَّت عَليَهِ أقاصِيهِ ولبَّدَهُ -- ضَربُ الوَليدَةِ بالمِسْحاةِ في الثَّأدِ
سَرَت عَليهِ مِن الجَوزاءِ سارِيَة -- تُزجي الشَّمالُ عَليهِ جامِدَ البَرَدِ
قالت لهُ النَّفسُ إنّي لا أرى طَمَعاً -- وإنَّ مَولاكَ لم يَسلَمْ ولمْ يَصِدِ
فتِلكَ تُبلِغُني النُّعمان إنَّ لهُ -- فضلاً عَلى النّاسِ في الأدنى وفي البَعَدِ
ولا أرى فاعِلاً في النّاسِ يُشبهُهُ -- ولا أُحاشي مِن الأقوامِ مِن أحَدِ
إلاَّ سُليمان إذ قالَ الإلهُ لهُ -- قمْ في البَرِيَّةِ فاٌحدُدْها عَنِ الفندِ
وشَيِّسِ الجنَّ إنّي قد أذِنتُ لهُم -- يَبنون تدمُرَ بالصُّفّاحِ والعَمَدِ
فمَن أطاعَك فاٌنفعْهُ بطاعَتِهِ -- كما أطاعَكَ واٌدْلُـلْهُ عَلى الرَّشـَدِ
ومَن عَصاكَ فعاقِبهُ مُعاقبَة -- تنهى الظَّلومَ ولا تقعُد عَلى ضَمَدِ
إلاَّ لِمِثلِكَ أو مَن أنتَ سابقُهُ -- سَبْق الجَوادِ إذا اٌستولى عَلى الأمَدِ
أعطى لِفارِهَةٍ حُلوٍ توابعُها -- مِن المَواهِبِ لا تُعطى عَلى نكـَدِ
اَحكُم كحُكمِ فتاةِ الحَيِّ إذ نظرَتْ -- إلى حَمامٍ شراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ
قالت: ألا ليتما هذا الحَمامُ لنا -- إِلى حَمامَتِنا ونِصفُهُ فقـَدِ
فحَسَّبوهُ فألفوهُ كما حَسَبَتْ -- تِسعاً وتِسعين لم تنقُصْ ولم تزِدِ
فكمَّلَت مِائة فيها حَمامَتُها -- وأسرَعَت حِسبَة في ذلِكَ العَدَدِ
فلا لعَمْرُ الَّذي مَسَّحتُ كعبتهُ -- وما هُريق َ عَلى الأنصابِ مِن جَسَدِ
والمُؤمِنِ العائِذاتِ الطَّيرَ يَمسَحُها -- رُكبانُ مَكَّة بَين الغِيْـلِ والسَّنـَدِ
ما قلتُ مِن سَيّءٍ مِمّا أتيتَ بهِ -- إذاً فلا رفعَتْ سَوطي إليَّ يَدي
إلاّ مقالة أقوامٍ شَقيتُ بها -- كانتْ مقالتهُمْ قرْعاً على الكبـِدِ
إذاً فعاقبَني رَبّي مُعاقبَة -- قرَّتْ بها عَينُ مَن يَأتيكَ بالفندِ
أُنبـِئتُ أنَّ أبا قابوسَ أوعَدَني -- ولا قرارَ عَلى زأرٍ مِن الأسَدِ
مَهلاً فِداءٌ لكَ الأقوامُ كُلُّهُمُ -- وما أثمِّرُ مِن مالٍ ومِن وَلدِ
لا تقذِفـَنّي برُكنٍ لا كِفاءَ لهُ -- وإن تأثَّـفكَ الأعداءُ بالرَّفـَدِ
فما الفُراتُ إذا هَبّ الرِياحُ لَهُ -- ترمي أواذِيُّهُ العِبْرَينِ بالزَّبَدِ
يَمُدُّهُ كُلُّ وادٍ مترعٍ لَجـِبٍ -- فيهِ ركامٌ مِن اليَنبوتِ وَالخـَضَدِ
يَظَلُّ مِن خوفِهِ المَلاَّحُ مُعتصِماً -- بالخـَيزُرانةِ بَعْدَ الأيْنِ والنَّجَدِ
يَوماً بأجوَدَ مِنهُ سَيْب نافِلةٍ -- ولا يَحُولُ عَطاءُ اليَومِ دون غدِ

***

المعارضة
----------

وَجَدْتُ سارايَ في قلبي وفي كبـِدي – توغّلتْ، دونما إذنٍ، إلى الأبَدِ

مُقِيمَة في حِمىٰ الوجدانِ رافِعَة – مَعِي لواءَ دُروسِ الدّار والبَلدِ ١

سقتْ صحارىٰ مُعاناتي ببَسْمَتِها – فما اٌنتظرتُ نزولَ الغيثِ والبَرَدِ

ولا حَفـَلتُ بماضٍ، ما كنزتُ بهِ – من الكنوز، ولا دارَيْتُ خُبْز غدِ ٢

رأيتُها في فضاء الحُلْمِ طائِرة – معي بسِرْبِ حَمامٍ زاجلٍ غرِدِ

سفيرة ً لنِساءِ الأرض شارتُها – أبْهىٰ جَمَالاً بختمِ الرّوحِ والجَسَدِ

ناديتُها سَارتا هلْ كان قُدْوَتُنا – يَهتمّ بالزادِ؟ لم يَنقُصْ ولمْ يَزِدِ ٣

فما أواهُ مَحَلٌّ غيرَ مُرتحِلٍ – عنهُ ولمّا يَتِحْ للرأس مِن سَنـَدِ ٤

أو اللباسِ ولمْ تتعَبْ لتغزِلهُ – زنابقُ الحقلِ أو تحْمِلْ بجُهْدِ يَدِ ٥

حتّىٰ سُليمانُ طُولَ المَجْدِ مُفتقِرٌ – لِباسُهُ لمْ يَحُزْ منها ولمْ يَجـِدِ ٦

ردّتْ عليّ ودَمْعُ العَين غادرَها – مِن المَسَرّة ردّ العقلِ والرّشَدِ

بل اٌطلبوا ملكوت الله- قال لنا- -- والبـِرَّ مَن جاءَ حَقلَ الربّ يَرتفِدِ ٧

وفخْرُنا بصَليب الحُبّ يَدفعُنا – إلى الترفّعِ في الدنيا عَن الرَّغـَدِ

سِوىٰ المحبّة لا شيءٌ ليُعْـوِزَنا – بها نجُودُ ولم نبْخلْ على أحَدِ

هِيَ السّلاحُ لدينا كلّما عَصَفت – ريحُ الزّمانِ وإنْ تلفحْ وتـتّـقِدِ

هِيَ الدّواءُ لداءٍ لا عِلاجَ لهُ – مُستفحِلٍ في مَريض الحِقدِ والحَسَدِ

هِيَ العَزاءُ لقلبٍ ما ألمّ بهِ – هَـمّ الفراقِ وقاسىٰ حُرقة الكمَدِ

هِيَ السّبيلُ لصَدّ الظّلْمِ ما فتكتْ – أنيابُهُ بحَـشا غِـرٍّ ومُضطهَـدِ

فقدْ يُظَنّ سِبَاعاً أهلُ صَعْلكةٍ – وقدْ يُظَنّ نِعَاجاً مَجْمَعُ الأُسُدِ

ما دامَ ظُلمٌ مدىٰ التاريخ دون يَدٍ – تجتثّهُ عاجلاً أمْ آجلَ الأمَدِ

ولمْ يَدُمْ مَجْدُ سُلطانٍ ومملكةٍ – وقد مضىٰ عهدُ سَرجونٍ على أكدِ

أمّا المَحَبّة تبقىٰ ما اٌنتهتْ حِقبٌ – لا ينتهي الحُبّ بين الأمّ والولدِ

صَدَقتِ يا سارتا فالحُبّ يَجمَعُنا – مهما ننلْ مِن أمانينا وتبتعِدِ

حتّى اٌتفقنا على رأي وفـلسفةٍ – إمّا اٌختلفنا بعَونِ الربّ نتّحِدِ

ونحتكِمْ في قضايانا إلى فمِهِ – لمْ ننءَ عن قولِهِ يوماً ولم نحِدِ

هُوَ الذي اٌختارَنا قبْلاً وصَوّرنا – في البَطنِ حتّىٰ تبَنّانا ولمْ يَلِدِ ٨

إذا رسالة مُختاريهِ واحِدة! – وقد أجادَ بحِفظِ النوعِ لا العدَدِ

وكنتِ مِن بين مُختاراتِهِ فبَخٍ – بَخٍ لكُلّ خيارٍ مِنهُ مُفتقـَدِ ٩

أنبَأتِنِي فهفا قلبي فأرّقني – شِعْـري فدرّبْتُ أجفاني على السُّهُدِ

حتّىٰ ترَي كلّ بيتٍ في تقرّحِها – واٌسْمَ القصيدة منقوشاً على الرَّمَدِ

مِن أجْل عينيكِ أمّا الربُّ مِحْورُها – مِن فضْلِهِ قلمِي، مهما أخُطَّ، ندِ

أنعِمْ برَبٍّ وقدّوسٍ ومنتصِرٍ – بالمُعْجـِزاتِ وبالسّلطان منفرِدِ

أنعِمْ بإلهامِهِ في كلّ شاردةٍ – عنّي وواردةٍ لولاهُ لمْ ترِدِ

لولا التغزّل بالإلهام ما سَرَحَت – قصيدة في مُحيطٍ شِبْهِ مُنجَمِدِ

يشوبُهُ النقدُ أحياناً ولي ثِقة ٌ – بأن يُخيّبَ رَدّي ظنّ مُنتقِدِي

عارضتُ خيرَ قريضٍ في التراث بما – وُهِبْتُ مِن مُهْجَةٍ حَرّىٰ ومِن جَلـَدِ

ومِن مَعِين ثـقافاتٍ مُنوّعَةٍ – عاصَرْتُها بهُمُومِ البَحثِ والرَّصَدِ

مِن وَحْي خيرِ كتاب صُغتُ قافية – مُقدَّسِ الرّوحِ لمْ يَدرُسْ ولمْ يَبـِدِ

*******

١ دَرَسَ الشيءُ والرَّسْمُ يَدْرُسُ دُرُوساً: عفا. وقال أَبو الهيثم: دَرَسَ الأَثَرُ يَدْرُسُ دُروساً ودَرَسَته الريحُ تَدْرُسُه دَرْساً أَي محَتْه- معجم لسان العرب

٢ إشارة إلى مَتّى 25:6 لِذلِكَ أقولُ لكُمْ: لاَ تهْتمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بمَا تأكُلون وبمَا تَشرَبُون، ولا لأجسَادِكُمْ بمَا تَلبَسُون. أليْسَتِ الحَيَاةُ أفضَلَ مِن الطَّعَامِ، والجَسَدُ أفضَلَ مِن اللِّبَاس؟ و26:6 اُنْظُرُوا إلى طُيُورِ السَّمَاءِ: إنَّهَا لاَ تزْرَعُ وَلاَ تحْصُدُ ولاَ تَجْمَعُ إلى مَخازِن، وأبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. ألسْتُمْ أنْتُمْ بالحَرِيِّ أفضَلَ مِنْهَا؟ و 34:6 فلا تَهْتمُّوا لِلغدِ، لأنَّ الغدَ يَهتمُّ بمَا لِنفْسِهِ. يَكْفِي اليَوْمَ شَرُّهُ

٣ إشارة إلى الآيات السابقة أيضاً- والإشارات جميعاً في هذا الهامش مقتبسة من ترجمة ڤاندايك للكتاب المقدّس إلى العربيّة

٤ إشارة إلى مَتّى 20:8 فقالَ لهُ يَسُوع: لِلثَّعَالِبِ أوْجرَةٌ ولطُيُورِ السَّمَاءِ أوْكارٌ، وأمَّا ابْنُ الإنسَانِ فليْسَ لهُ أيْن يُسْنِدُ رَأسَهُ

٥ إشارة إلى مَتّى 28:6 ولِمَاذا تَهتمُّون باللِّبَاسِ؟ تأمَّلُوا زنَابقَ الحَقلِ كيْفَ تنمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تغْزِلُ

٦ إشارة إلى مَتّى 29:6 ولكِنْ أقُولُ لكُمْ: إنَّهُ وَلاَ سُليْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كان يَلبَسُ كوَاحِدَةٍ منها

٧ إشارة إلى متّى 33:6 لكِنِ اطْلُبُوا أوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وبِرَّهُ، وهَذِهِ كُلُّهَا تُزادُ لَكُمْ

٨ إشارة إلى سِفـر إرميا 1: 4 و5 فكانَتْ كلِمَةُ الرَّبِّ إليَّ: قبْلمَا صَوَّرْتُكَ فِي البَطْنِ عَرَفْتُكَ وقبْلمَا خرَجْتَ مِن الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نبيّاً لِلشُّعُوب

٩ بَخْ: إسمُ فِعْل معناه “عظُم الأمرُ وفخُم” يكون للرضى والإعجاب بالشيء أو الفخر والمدح. ويُكرّر للمبالغة فيُقال “ بَخٍ بَخٍ” بالكسر والتنوين- المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق- بيروت
______________


كلمة أخيرة: هاءنذا انتهيت من معارضة المعلّقات العشر كلّ شاعر بحسب معلّقته وهم جميعاً من شعراء النصرانية قبل الإسلام- والمزيد عنهم عبر الرابط التالي بقلم القس/ الفريد فائق صموئيل

ذلك بغض النظر عن ارتداد لبيد بن ربيعة في ما بعد لظرف ما، حتى كتبت في خضمّ هذه المعارضة أفكاراً مستمدّة من الكتاب المقدّس، ربّما ذكر أولئك الشعراء مثلها ما لم يصلنا ما ذكروا في أبيات كثيرة، أرجّح أنْ تمّ بترُها من معلّقاتهم بفعل أيادٍ خبيثة وبتأثير عقول مختلفة وهرطقات أساءت فهْم بعض العقائد المسيحية ومن أهمّها الثالوث؛ ما ظُنّ شِركاً بالله وما الثالوث باختصار سوى الذات الإلهية والكلمة الإلهية المتجسّد بشخص السيّد المسيح له المجد (ومعنى إبن الله: المنبثق من الله، كقولك مثالاً لا تشبيهاً: إبن الرافدين وابن النيل وبنات الضاد) والروح الإلهية المعروفة بالروح القدس، معلّقة عمرو بن كلثوم- مثالاً- قد ناهزت ألف بيت، يُحتمل أنّ معلّقة الحارث ناهزت العدد عينه بما أنه كان يناظر الشاعر ابن كلثوم في حضرة عمرو بن هند- أحد ملوك الحِيرة. وقد اتخذتُ مثالاً عن سوء الظن وقلّة الفهم ما ورد في قصيدة قيس بن المُلوَّح (ت 68 هـ) عن محبوبته ليلى (العامرية وكنيتها أمّ مالك) وقد كانت مسيحية، ما يعلّل امتناعها من الإرتباط بفتى ذي عقيدة مختلفة، قال قيس بن المُلوَّح:

يَقولون ليلى بالمَغيب أمينةٌ – وإنّي لـَراعٍ سرَّها وأمينُها
ولِلنفسِ ساعاتٌ تهَشُّ لِذِكرِها – فتحيا وساعاتٌ لها تستكينُها
فإن تكُ ليلى اٌستودَعَتني أمانة – فلا وأبي ليلى إذاً لا أخونُها
أَأُرضي بليلى الكاشِحين وأبتغي – كرامَة أعدائي بها فأهينُها
وقد قيلَ نصرانِيَّة أُمُّ مالِكٍ – فقلتُ ذروني كُلُّ نفسٍ ودِينُها
فإن تكُ نصرانِيَّة أمّ مالِكٍ – فقد صُوِّرَتْ في صُورَةٍ لا تـشينُها
سَأجعَلُ عِرْضِي جُنَّة دون عِرضِها – وديني فيَبقى عِرضُ ليلى ودينُها
وقائِلةٍ هَل يُحدِثُ الدَّهرُ سَلْوة – فقلتُ بَلى هذا فقد حان حينُها
صِلِي الحَبْلَ يَحْمِلْ ما سواهُ فإنَّما – يُغـَطّي على غـَثِّ الأمورِ سَمينُها
بَذلتُ لِليلى النّصحَ حَتّى كأنَّني – بها غيرَ إشراكٍ برَبّي أدينُها
فيا ليتَ أنّي كُلَّما غِبتُ ليلة – مِن الدَهرِ أو يَوماً تراني عُيونُها
لِأُبرِئَ أيماني إذا ما لقِيتُها – وتعْلمُ ليلى أنَّني لا أخونُها

والمزيد عبر الرابط التالي بقلم الكاتب زهير ظاظا

أمّا بعد فإني أتقدّم بجزيل الشكر إلى جميع المواقع الالكترونية الخمسة التي تفضلت بنشر المعارضات المذكورة- كلّياً أو جزئيّاً- وأجيز لجميع الكنائس ترنيم الممكن ترنيمه منها لمجد الربّ يسوع. أمّا من أعجب-ت بها إلى درجة محاولة نشرها ورقيّاً فأتمنى عليه-ا أوّلاً: أن يتفضل بتوزيع المنشور لمجد الربّ يسوع فقط

ثانياً: أن لا يغيّر في إسم الكاتب وعنوان أيّة معارضة وفي أيّ حرف في القصيدة (بل أيّة حركة تشكيل- الضمّ والفتح والكسر والسكون) ذلك لأني كتبتها بعناية فائقة، خالية من أي خطإ لغويّاً وعروضيّاً ولاهوتيّاً، شأنها شأن سائر قصائدي. وليعتمد أيّاً من النسختين المنشورتين كلّيّاً على صفحات موقع لينغا- نور في الجليل- وتحديداً صفحة: شعر

وصفحات موقع دوري تي في- وتحديداً صفحة قصيدة: الزنبقة

ثالثاً: عليه أن يحذر (هو ودار النشر) جانبَ الخفافيش الذين قد يُسيئون فهم نصّ ما، في أيّة معارضة من المعارضات العشر، ما قد يدعوهم إلى محاولة التعرّض بسوء للمُتبرّع-ة ولدار النشر

شكراً للقرّاء الأحبّاء على حُسن المتابعة، الرب يسوع يبارك الجميع ويزيدهم نعمة فوق نعمة- آمين
مع أطيب التمنيات من الأخ رياض الحبيّب- أوّل معارض للمعلّقات العشر في تاريخ الشعر العربي
بفضل الربّ يسوع المسيح له المجد ولأمّه وأمّنا السيّدة العذراء- آمين